المشاركة
بحث

تلميح: يرجى إدخال كلمة أو جملة البحث كما في محرك البحث Google، ثم الضغط على زر "بحث" أو المفتاح "ENTER"

برنامج إدارة الحكم في الدول العربية > مجالات العمل > المشاركة

المشاركة مفهوم مرتبط بالمجتمع المفتوح والديمقراطي، وهي مكوّن أساسي من مكونات التنمية البشرية كما يفهمها ويسعى من أجل تحقيقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. حرفيا، المشاركة تعني أن يكون لنا دور. ويجب أن يكون لجميع الرجال والنساء رأي في صنع القرارات التي تؤثر في حياتهم سواء بشكل مباشر أو من خلال مؤسسات شرعية وسيطة تمثل مصالحهم. وهذا النوع من المشاركة الواسعة يقوم على حرية التنظيم وحرية التعبير، وأيضا على قدرات المشاركة البناءة.

يمكن للمشاركة أن تتم مباشرة أو بواسطة ممثلين شرعيين. ولكي تكون المشاركة فعالة، يجب أن يتوفر لأعضاء الجماعات فرصة وافية ومتساوية لإدراج مطالبهم على جدول أعمال الحكومة، ولطرح همومهم تعبيرا عن الخيارات التي يفضلّونها كحصيلة نهائية لعملية صنع القرار.

يتألف مفهوم التنمية البشرية الذي يقدمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من ثلاثة عناصر رئيسية هي: تنمية الانسان، أي تعزيز القدرات البشرية والصحة لكي يتمكن الناس من المشاركة الكاملة في مختلف نواحي الحياة. والتنمية من أجل الانسان، بمعنى توفير الفرصة لكل الناس للحصول على أو اكتساب حصة عادلة من المنافع الناتجة عن النمو الاقتصادي. والتنمية بالانسان، بمعنى توفير الفرصة لجميع أعضاء المجتمع للمشاركة في تنمية مجتمعهم.

التنمية بالانسان من خلال زيادة مشاركة الناس ليست ممكنة ما لم يتوفر توزيع القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على نطاق واسع في المجتمع. فهذا التوزيع يمكّن الناس من التأثير على الأداء الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع. وهذا الأداء ركن أساسي في التنمية البشرية. وهذه الرؤية للتنمية البشرية ترى ضمنا أن للناس الحق في أن تتاح أمامهم سبل متنوعة لممارسة السلطة. ويوحي المنطق الكامن خلف هذه الرؤية بأن المشاركة وسيلة وغاية في آن واحد، وأن تطبيق اللامركزية على الصعيد الحكومي أمر مرغوب لذاته. وتتفاوت الآليات التي يمارس الناس نفوذهم من خلالها تفاوتا كبيرا. فيمكن للناس كأفراد أن يدلوا بأصواتهم في الانتخابات أو أن يمارسوا الأنشطة التجارية. ويمكنهم كجماعات أن يؤسسوا منظمات مجتمعية مختلفة الأنواع أو أن ينضموا إلى الاتحادات المهنية أو إلى الروابط والجمعيات الإثنية. وتمنح مستويات المشاركة المرتفعة للقدرات والإبداع البشري تعبيرا طبيعيا، وتسمح للجماعات وللأفراد بأن يحققوا ذاتهم وأن يشعروا بالإنجاز.

نجد في معظم المجتمعات عددا من الجماعات المهمشة بشكل دائم من حيث فرصها في المشاركة. وتضم هذه الجماعات بشكل ثابت الفقراء والنساء والأطفال والأقليات الدينية والإثنية، وسكان الريف، والمعوقين. وهذه الجماعات هي الأقل تمكينا في المجتمعات. ويقدّر تقرير التنمية البشرية لعام 1993 أن أكثر من 90 بالمئة من سكان العالم يعجزون عن فرض أي تأثير حقيقي على الأداء الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمجتمعات التي يعيشون فيها. ولهذا السبب فإن إعطاء حق التعبير للناس عبر زيادة مستويات مشاركتهم يشكل تحديا رئيسيا يواجه عملية التنمية. وتعتبر المساواة في إمكانية المشاركة وفي الفرص مقومات رئيسية لهذه الرؤية للوضع الانساني.

سوف تجد الحكومات أنها بحاجة للبحث عن حلول مقبولة ثقافيا لقضايا المشاركة الشعبية لكي تتمكن من التعامل مع الحاجات والتطلعات البشرية بعدل وبدون إبطاء. وتشمل الاعتبارات الرئيسية في هذا السياق مدى وطبيعة اللامركزية في الإدارة العامة، ومقدار التشجيع الذي يعطى لتأسيس منظمات المجتمع المدني ولاستقلالها الذاتي.

تمثل المنظمات الشعبية مصالح أعضائها وتنزع إلى إقامة هياكل تنظيمية تقوم على المشاركة. فالمجتمع المدني هو الجزء من المجتمع الذي يربط الأفراد بالمجال العام وبالدولة. أما منظمات المجتمع المدني فتعمل على توجيه مشاركة الناس في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية وتنظمهم في جماعات أكثر قوة للتأثير على السياسات العامة وللتمكن من الوصول الى الموارد العامة، وخصوصا بالنسبة للفقراء. والأمر الأهم، تسهّل الشبكات المدنية مأزق العمل الجماعي عبر مأسسة التفاعل الاجتماعي، وتقلل من الانتهازية، وتعزز الثقة، وتسهّل التعاملات السياسية والاقتصادية. كما تزيد الشبكات المدنية المطورة جيدا تدفق المعلومات، مع العلم بأن المعلومات تشكل أساس التعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي الموثوق وأساس مشاركة أعضاء المجتمع المدني في الحياة العامة. وتشمل المشاركة حرية تأسيس الجماعات الدينية والروابط المهنية وغيرها من المنظمات التطوعية ذات الأهداف الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية. فالمساعدة الفنيّة الموجهة إلى هذا النوع من المنظمات والجمعيات والتي غالبا ما تقدّم من خلال المنظمات غير الحكومية طريقة فعالة للوصول إلى الفقراء وغيرهم من الجماعات المهمشة.

يشدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عند صياغته وتنفيذه للبرامج والمشروعات المعنية بالحكم على المشاركة وعلى قيام إجماع حول هذه البرامج والمشروعات. ويركز برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في بنائه للقدرات الاستراتيجية الوطنية على البرامج ذات الاستمرارية والتي يشكل الناس محور اهتمامها، وخصوصا المهمشين منهم.

من أجل تحقيق أوسع مشاركة ممكنة، يؤيد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تأييدا شديدا اللامركزية الإدارية. فان تفريع الحكومة المركزية من المستوى الوطني إلى الأقاليم والمقاطعات والمدن والبلديات والمناطق الريفية والمستوطنات والمجتمعات المحلية أمر يمكّن الناس من المشاركة في عمليات الحكم بشكل مباشر أكثر، ويساعد على تمكين الجماعات التي استبعدت سابقا من عملية صنع القرار. وبهذه الطريقة يمكن لدولة ما أن تخلق فرصا منصفة لجميع مواطنيها وأن تحافظ على استمرارية هذه الفرص. ويشجع التواصل الأقرب بين المسؤولين الحكوميين والمجتمعات والمنظمات المحلية أيضا على تبادل المعلومات التي يمكن استخدامها لصياغة برامج تنمية مبنية وفق الحاجات والأولويات المحلية، مما يجعلها أكثر فعالية وديمومة أو استمرارية.

في الخلاصة، إن المجتمع القائم على المشاركة شرط مسبق للتنمية في عالم اليوم. فالمشاركة تمكّن المجتمع من الاستخدام الأمثل لطاقات وقدرات أفراده وجماعاته المنظمة. فهي تدعو إلى إعطاء دور أكبر للمجتمع المدني، وتوجب تطبيق اللامركزية على صعيد الإدارة العامة أو الحكومية، وتمكّن المواطنين من المشاركة في بنية السلطة ومن التأثير على السياسات الاجتماعية. وأخيرا، تحرر المشاركة قدرات المرأة وتفسح المجال أمام تنمية تراعي النوع الاجتماعي (الجندر).

© كافة الحقوق محفوظة www.pogar.org. البريد الإلكتروني: info@pogar.org. للاتصال بنا